أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الاستغناء والطغيان بقلم: راشد بن سباع الغافري

الاستغناء والطغيان بقلم: راشد بن سباع الغافري

الاستغناء والطغيان
بقلم: راشد بن سباع الغافري

 

 

في سورة العلق ربطت الآيتين رقم ( 6 – 7 ) الشعور بالاستغناء عن الطرف الآخر بالطغيان وذلك في قوله تعالى : ” إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ” .
فشعور المرء بلذة القوة والقدرة على التفرد وعدم حاجته للآخرين مدعاة لأن يتجه نحو الطغيان والظلم المتمثل في إجحاف الحقوق والقطيعة والهجر والاستعلاء على الآخر ، وهي هموم ومصائب قد يجلبها على نفسه وعلى غيره نتيجة لذلك .
وإن كانت الآية تتجه نحو الجانب الديني في علاقة الإنسان بربه حين يستغني بدنياه عن آخرته إلا أن التأمل في هذه الآية ومقارنتها بواقع الحياة الأسرية والمجتمعية والسياسية للأفراد والمجتمعات يجعلنا نستخلص منها الكثير من المباديء والقيم والعبر .
فعلى مستوى الأسرة فإنّ شعور فرد ما من تلك الأسرة بالقدرة على الاستغناء عنها وعن الارتباط بأفرادها يكون ذلك بلا شك مدعاة لتفكك تلك الأسرة وانهيارها ، فإحساس الإبن بالاستغناء عن أبيه أو عن أخيه وشعور الزوجة بالقدرة على الإستغناء عن الزوج وشعور الإبنة بالقدرة على الإستغناء عن الأخ أو الأب أو الأم أو الأخت كل ذلك يؤدي بلا شك إلى الطغيان المتمثل في الخلافات والتشرذم والتفكك الأسري الذي لا يعود بخير على أفراد تلك الأسر.
وذلك بعكس الشعور القائل بالتكامل بين أفراد الأسرة وحاجة كل فرد إلى الآخر فإن هذا من الفطرة السليمة التي توثق عُرى المحبة والتفاهم بين أفراد الأسرة الواحدة على مرّ الأجيال فيها .
وبصورة أكثر شمولية إذا ما أسقطنا شعاع تلك الآية على واقع الفرد وعلاقته بالمجتمع من حوله فإن ذات الأمر قد يحدث وربما كان حدوثه بصورة أكثر دمارًا ؛ ذلك حين يشعر الفرد أنه ليس بحاجه إلى المجتمع الذي ينتمي إليه وأنه مستغنى عنه وعن مكوناته.

وشعورًا كهذا قد يقوّض تلك المواطنة الصالحة في نفسه ويجعله يتجه إلى الطغيان المتمثل بالتجاوب السلبي مع توجهات واهتمامات ذلك المجتمع ، بل قد تزيد معه جرعة ذلك الطغيان عندما تنحو به نفسه الطاغية إلى التخريب لمؤساساته أو لخيانة مبادئه وقيمه .

ومن مثل هذا النوع من الشعور بالإستغناء تعزف الصراعات بين الدول على تجنيد خونة المجتمعات حيث يكون إيهامهم بأنهم ليسوا بحاجة إلى مجتمعاتهم وأنهم سيكونون محميون عند أي طاريء وسيُوفر لهم مالذ وطاب من متع الحياة التي تنسيهم انتمائهم إلى تلك المجتمعات ، فالتغرير بأمثال هؤلاء يكون مدخله احتقار مجتمعهم والنظر إليه بدونية مقارنة مع ماقد يعرض عليهم من متع ومناصب في مجتمعات أخرى.

وبصورة أكثر تخصيصا وأكبر واقعا إذا ما اسقطنا الحكمة من تلك الآية على وطن بأكمله فإن الشعور بالحاجة إلى الوطن والإنتماء إليه وإلى قيادته مطلب مهم لمواطن صالح ؛ وهو يؤدي تلقائيا به إلى حياة هانئة متوافقة مع توجهات ذلك الوطن وتلك القيادة ، بعكس الشعور بالاستغناء عنه والذي قد يؤدي به إلى الطغيان المتمثل في العمل على تفكيك أركانه ، وتبني نشر الفتن والشقاق داخله ، ورهنه ليكون لعبة في أيادي الأعداء من حوله .

فالمواطن الصالح هو من يستشعر باستمرار حاجته إلى وطنه وإلى قيادته ؛ ويستشعر بالمقابل أيضًا حاجة وطنه إليه ليذود عنه ويساند قضاياه وتوجهاته وتطلعاته المستقبلية، وذلك بتجنيبه مزالق التردي ، وبتبنى سياساته ، وبدعم قادته ورموزه الوطنية سواء السياسيين منهم أو الدينيين أو الأمنيين أو الاقتصاديين … الخ
المواطن الصالح المحب لوطنه يدرك جيدا أنّ حل المشكلات في الوطن لا يكون بإثارة القلائل ولا بالدعوة إلى باطل.

ولهذا نختم هذا المقال بالقول فليحذر الذين تراودهم أفكار الاستغناء عن الوطن فإن مدعاة ذلك طغيانا لا يبقي ولايذر سواء على مستوى الوطن أو المواطن ، ونهاية ذلك بلا شك ستكون نفقا مظلما قد يتعذر الخروج منه كما تعذر اليوم على كثير من الدول الخروج من مثل هذا النفق بعد أن أدخلها إليه أبنائها حين شعورهم بالاستغناء وعدم الحاجة إلى دولهم وأوطانهم وقادتهم .

فالمتربصون كُثر والعاقل من اعتبر بغيره .

  [مرات المشاهدة (27)]

عن راشد الحوسني

شاهد أيضاً

الوطن لا يحلق من دون المرأة

الوطن لا يحلق من دون المرأة بقلم:سعاد علي العريمي ليس من السهل أن تحصي فضل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.