الرئيسية / المقالات / ضغوط إلكترونية (2) بقلم: راشد بن سباع الغافري

ضغوط إلكترونية (2) بقلم: راشد بن سباع الغافري

ضغوط إلكترونية (2) بقلم: راشد بن سباع الغافري

 

جلس إلى جانبي ناظرا إلي بإبتسامة صفراء، وعينين لامعتين كالزجاج، ومتحدثا إلي بنبرة لا تخلو من خباثة قائلا :

قرأت مقالك السابق وأردت أن أسألك كيف عرفت بشأن تلك الحسابات المشبوهة؟!

فقلت له: هل لديك حسابا على واحدة من وسائل التواصل؟

قال : نعم.. لدي واحدا على تويتر

فقلت له: دعني أرى!!

كان حسابه نظيفا فيما يتعلق بمن يتابعهم ، لكن في الذين يتابعونه لم يخلو حسابه من مثل تلك الحسابات التي جاء ليسألني كيف عرفت بشأنها؟!!

انصرف سريعا بوجه يعلوه شيئا من الخجل لعدم توقع ما رآه في حسابه على ما يبدوا .

حينها تذكرت ماجاء في الحلقة النقاشية للابتزاز من أن كثير من الناس ينزلون تطبيقات وبرامج بالضغط على كلمة موافق على جميع الخطوات دون أن يتحققوا مما تتطلبه تلك الخطوات ، وهذا ما يجعل بعض مشغلي البرامج ومبرمجيها يغوصون في كثير من الخصوصيات المتعلقة بالمشترك.

وهناك من يفتح حسابات في وسائل التواصل دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من تلك الحسابات ، ربما كان ذلك إهمالا ، أو جهلا ، أو رغبة منه في ظهور كم كبير من المتابعين لحساباته حتى وإن كان ذلك على حساب المباديء والأخلاق والقيم، وإلا فإن برامج التواصل تعج بالكثير من الحسابات السيئة والتافهة، وتلك التي تستهدف الأخلاق والدين، فهناك حسابات لعبدة الشياطين، وحسابات تروج للادين، وحسابات تستهدف الأوطان وأخرى إباحية ومثلية مقيتة وحسابات متخصصة في السحر والشعوذة .

ولتتصوروا حجم الضغط النفسي على سبيل المثال على طالب وجد معلمه يتابع حسابات غير لائقة تربويا ، أو لإبنة وجدت أباها يتابع حسابات حساسة ، أو لعامة الناس عندما يجدون داعية ما يتابع حسابات تدعوا للرذيلة بدلا من الفضيلة التي يدعوهم إليها ليل نهار!!

فالأمر جد خطير والإنتباه لهذه الحسابات مطلب مهم ، ومراجعة من تتابع ومن يتابعك بين الفينة والأخرى أمر ملح وضروري حتى لا يقع الواحد في المحظور.

في تلك الحلقة النقاشية عن الإبتزاز ذكرت في إحدى مداخلاتي أنه قد تابعني حسابا في التويتر ، تسمى بمسمى عماني، وأشار في موقعه الجغرافي أنه في سلطنة عمان، وما إن تابعته حتى غير بعد مدة مسماه وصورة معرفه وقام بالتغريد بتغريدات إباحية خليعة، وهذه من الأساليب الخبيثة التي تنتهجها بعض الحسابات ومن يقف وراءها ، ولهذا ننبه دائما إلى أهمية أن يقوم الواحد منا بمراجعة حساباته في مختلف وسائل التواصل حتى لا يقع في مثل هذه الفخاخ التي تعطي صورة سلبية عنه أمام كل من يطلع على نشاطاته .

إن من أهم الأشياء التي تركز عليها الجهات التي تعنى بالأمن المعلوماتي وتحذر منها كما جاء في تلك الحلقة النقاشية وفي غيرها من البرامج التوعوية هو عدم بيع الهاتف، وكذلك الإنتباه إلى العاملين في محلات الهواتف عند الإستعانة بهم في إصلاح هواتفهم أو برمجتها وذلك لما ماقد يقوم به بعض ضعاف النفوس من أولئك العاملين من خيانة للأمانة، وذلك باستغلال محتوى الهاتف في أعمال إبتزازية.

لكني أجد الموضوع شائكا أكثر مما يبدوا ومما يعرض ، فالقضية ليست صورا ومقاطع في هاتف فقط ، وإنما منهج حياتنا في التقاط الصور وتصوير المقاطع تعدى الهواتف إلى نوافذ أخرى قد لا نستطيع ضبطها أو التحكم فيها بقدر تحكمنا في الهواتف التي نملكها ، ومن ذلك محلات التصوير والتحميض فهذه المحلات تحتفظ بصور المتعاملين معها، وربما تصرفوا فيها دون أن يعلم أصحابها.

وقد ذكرت في تلك الحلقة النقاشية مثالين على ذلك.

الأول : حين استأذنني عامل في محل تصوير لأخذ نسخة من الصور التي قام بتحميضها ، وقد أذنت له لأنها كانت صورا لبعض الأودية من حولنا ، وكان بإمكانه عدم الإستئذان وأخذ نسخة منها دون أن أدري !!

والمثال الثاني : كنت في محل تصوير لالتقاط صورة شخصية لي ، ولأنني أعرف العامل في المحل ويعرفني منذ زمن فقد طلب مني مشاهدة الصورة التي التقطها لي من خلال الحاسوب إن كانت مناسبة أو يعيد التصوير قبل أن يقوم بطباعتها ، ولما أن وافقت عليها وأغلق نافذة الصورة حتى ظهرت على الشاشة مجموعة كبيرة من الصور الشخصية لأناس أعرفهم، وكان بعض هذه الصور قد التقطت منذ زمن بعيد لأن أصحابها ماعدوا صغارا كما يظهرون فيها ، فسألته يومها كيف تحتفظ بهذه الصور؟!
فارتبك وهو يغلق النافذة ويقول :
أنا أحتفظ بكل الصور التي التقطها للذكرى فقط، وسوف آخذها معي عندما أعود إلى بلدي كتذكار على سنوات العمل هنا!!

طبعا الصور كانت لرجال ونساء صغارا وكبارا، وسوف يأخذ نسخة من تلك الصور معه!!
وقد يترك الحاسوب مليء بالصور ويأتي عامل آخر للعمل في ذلك المحل .
وقد يباع هذا الحاسوب بكل مايحويه من صور سواء كانت صورا شخصية أو عائلية!

وهذا يقود للسؤال إن كان هناك من قانون يحفظ حقوق المتعاملين مع استوديوهات التصوير خصوصا في حال سفر ذلك العامل وأخذ نسخة معه من تلك الصور؟!

وهناك أمر آخر قد لا يمكن ضبطه أيضا من قبل الناس، وهو وجود المدعويين لحفلات الأعراس والأعياد والمناسبات والذين قد يلتقطون الصور والمقاطع ومن ثم القيام بنشرها على حسابات التواصل دون الرجوع لمن يظهرون فيها ، وليس ببعيد عنا تلك الحادثة التي صور فيها أحد المدعويين أو المدعوات مقطعا للحظة عاطفية بين عريس وعروسة في حفل زفاف وقام بنشر ذلك في وسائل التواصل مما سبب ضجة مجتمعية كبيرة في حينه!!
وقد يقول قائلا هنا أن هناك قانونا يمكن اللجوء إليه في مثل هذه الحالات ، ونقول نعم ولكن يكون الأوان قد فات وذلك المقطع أو تلك الصورة قد لفت العالم وسببت ما سببته من ضغوط نفسية ومعنوية.

بل حتى القاعات التي قام الناس بإلزام أنفسهم في إستئجارها لإقامة حفلاتهم فإنهم لايملكون إلا الدعاء كي لا تكون تلك القاعات مزودة بكاميرات خفية قد تلتقط ما لايجب التقاطه وما أكثرها هذه الأيام لسهولة الحصول عليها وتركيبها.

ويظهر هذه الأيام كثير من الأشخاص يروجون لأنفسهم في وسائل التواصل على أنهم مصورون محترفون لتصوير الأفراح والمناسبات وبأسعار مغرية، وقد بات الإقبال عليهم يتسارع ، وإن كان من سؤال يطرح هنا أيضا فهو :هل هؤلاء مصرح لهم بذلك؟
أو بمعنى آخر هل يعمل هؤلاء وفق لوائح وقوانين منظمة، أم أن الأمر يحدث عشوائيا بما قد يخلق المزيد من الضغوط الإلكترونية على المتعاملين بسبب ماقد يوظفه البعض سلبا تحت ستار احترافية التصوير، أو بسبب بيع تلك الأجهزة التي يمكن استخراج مافيها من محتوى بطريقة أو بأخرى !!

الحديث حول الضغوط الإلكترونية المتعلقة بالصور والتصوير يتشعب كثيرا ، وهو ذو شجون متعددة ومتنوعة، وقد لا نتمكن من حصر كل شيء هنا ، لكن يبقى التنبه والحذر واجب قدر الإمكان، وهو أمر أغلبه ذاتي حيث يستطيع المرء منا أن يتفادى أخطارا كثيرة ويتفادى ضغوطا أكثر إذا ما سن لنفسه سننا منظمة لما يجب وما لا يجب القيام به فيما يتعلق بالتعامل مع الإلكترونيات والتقنيات الحديثة وما ورائها .

نختم بالقول أن المقال القادم وهو الجزء الثالث والأخير من ضغوط إلكترونية سنخصصه حول كيف أن بعض الأشخاص قد يتسبب من حيث يدري ومن حيث لا يدري في إبتزاز وطن بأكمله!!

فعسى أن تتيسر الظروف لذلك وأن يكون ذلك قريبا .

  [مرات المشاهدة (12)]

عن راشد الحوسني

شاهد أيضاً

تشكيل ثقافة المجتمع بقلم/ مازن الغافري

تشكيل ثقافة المجتمع بقلم/ مازن الغافري لا جديد إن قلنا أن لكل مجتمع ثقافته الخاصة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.