الرئيسية / المقالات / أدبيات / فن إدراك معنى الحياة بقلم: مازن بن سالم بن خميس الغافري

فن إدراك معنى الحياة بقلم: مازن بن سالم بن خميس الغافري

فن إدراك معنى الحياة
بقلم: مازن بن سالم بن خميس الغافري

لا شكَّ في اختلاف الإنسان عن غيره من بني جنسه في إدراكه لمعاني الحياة، فمنذ نعومة أظفاره واحتكاكه بالمحيط العائلي يبدأ الفرد في تشكيل وتكوين معاني خاصة به مرتبطة بفهمه لما يدور حوله، وذلك من خلال ما يمر به من تجارب ومواقف ابتداءً من طريقة تربية الوالدين وانتهاءً بالمجتمع الذي يختلط به ويحمل أفكاره ويتثقف بثقافته فيما بعد، فيشكل بذلك شخصيته التي من خلالها يتعامل ويتفاعل مع مختلف المواقف التي تمر به.
لا بدَّ أن نعي جيدا أنَّ الاهتمام بالحياة لا يكون في الأساس إلا من خلال ما نبحث عنه من معنى لهذه الحياة، فلو كان المعنى الأساس الذي يريده الفرد في حياته هو التفوق والوصول للمثالية لكرّس جل حياته وقدراته للوصول إلى التفوق، وإن لم يكن مجال التفوق هذا بالنسبة للآخرين مهم و لكن في معانيه هو للحياة مهم، لذلك بذل واستخدم كل الطرق المستطاعة للوصول إلى هدفه. وكل ما يستخدمه هذا الفرد لبلوغ هدفه يكون في حقيقة الأمر من خلال المعاني التي تعلمها في أثناء سني حياته الخمس الأولى.

إنَّ السنوات الخمس الأولى في حياة الفرد هي السنوات التي يبدأ فيها الإنسان في تشكيل معانيه الخاصة للحياة التي يعيشها كما يذكر علماء النفس، فالطفل المدلل على سبيل المثال ينشأ وفي نفسه اعتماد كبير على والديه في توفير كل لوازمه و كل ما يحتاجه في حياته، فلو قيل له في يوم من الأيام “لا” في مطلب يريده تجد أثر ذلك على نفسه كبير وردة فعله عنيفة لأنه اعتاد أن يجد كل شيء يطلبه.

يجب علينا أن نعي بأن معظم قرارات الفرد ومعظم ردات فعله في تعامله في المواقف اليومية إنما هي ناشئة ونابعة مما قد تلقاه واكتسبه في صغره، وعليه لا بدَّ في عملية التعامل مع هؤلاء الأفراد في موقف معين من النظر إلى كيف اكتسب ردت الفعل هذه، وذلك من خلال النظر في تاريخ حياته من أحداث وذكريات في الحقيقة أثرت على نفسيته وبالتالي طبعت شخصيته على هذا السلوك.

ولن أبالغ لو قلت بأن على المربي في الفترة الحالية أن يكون على دراية بفن إدراك المعاني للحياة من خلال النظر إلى ما تحت السطح من مسببات للظواهر والمشاكل التي يعاني منها الكثير من التلاميذ والطلبة في الجيل الحالي، فالطالب في تفسيره للنجاح و التفوق قد يكون مرتبط بمعنى مختلف عن النجاح الذي يريده منه المربي فعلى سبيل المثال، يذكر أحد المعلمين أنَّ طالبا كان مختلف عن زملائه في التحصيل الدراسي وكان مثيرا للمشاكل في المدرسة و قد وجه إليه المعلم السؤال قائلا: لماذا أنت مختلف عن زملائك متخلف دراسيا؟ و مثير للمتاعب؟ فما كان رد التلميذ إلا أن قال للمعلم: أنت تهتم بالطلاب الجيدين والمتفوقين و أما الآخرين فلا تلقي لهم بالا.
لو نظرنا إلى قصة الطالب مع المعلم لوجدنا أن الطالب قد وضع جذب انتباه استاذه شغله الشاغل و قد وضع كل خبرته و كل جهده في جذب انتباه المعلم من خلال إثارته للشغب، ولو فقه المعلم فن إدراك المعاني للحياة لوجد طريقة من خلالها يحول قدرات الطالب وجهده فيما يجعل منه متفوقا بالمعنى الحقيقي للتفوق، فكم من الطلاب الذين يثيرون المتاعب ينتهجون هذا النهج ليس لعدم مقدرتهم على تحقيق النجاح وإنما لسبب آخر قد يكون القصد منه أن يكونوا في بؤرة الاهتمام.
إن فن إدراك معاني الحياة هو أن ندرك أن لكل فرد منا معانيه المختلفة عن الآخر، و أسلوب مختلف في تحقيق ما يريد و ما يقرر، وهذه المعاني تنشأ مرتبطة بتجاربنا، و لا سيما التجارب الأولى في سنواتنا الأولى من حياتنا، يقول د. إبراهيم أنيس في ذلك:”دلالات الأشياء ترتبط في أذهان الأطفال بطريقة تختلف حسب تجاربهم، فالطفل الذي تعود منذ صغره أن يكون له كلب يؤكله و يدلِله ويلاعبه….. يدرك دلالة لفظ “كلب” غير ما يدركه طفل آخر كانت تجاربه مع الكلاب تتلخص فقط في عضة كلب تعرض لها في يوم من الايام.
لا بد لنا من إدراك هذه المعاني و الاستفادة منها في توجيه بوصلة حياة أبنائنا و كل فرد يعز علينا منذ نعومة أظفارهم، كما يجب علينا أن نفهم ردود أفعال الناس من حولنا فهي وليدة ما خبروه في حياتهم و تشكلت حسب خبراتهم و مواقفهم في الحياة، ويجب على المربي بشكل خاص أن يتفقه في هذه الأمور، فعليه يقع الحمل الأكبر في التوجيه والتربية.

  [مرات المشاهدة (15)]

عن راشد الحوسني

شاهد أيضاً

“الصحبة الشريفة” :بقلم: وداد بنت محمد بن سعيد السوطية

‏”الصحبة الشريفة” :بقلم: وداد بنت محمد بن سعيد السوطية لاتجعل من نفسك أضحوكة بين أصحابك؛ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.